محمد جمال الدين القاسمي
260
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والسلامة منها ؛ وذلك أنهم سألوا رسول اللّه صلوات اللّه عليه ، أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره . قال الشهاب : والمراد بكونها قبل الحسنة ، أن سؤالها قبل سؤالها ، أو أنّ سؤالها قبل انقضاء الزمان المقدّر لها ! وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ أي : عقوبات أمثالهم من المكذبين . فما لهم لا يعتبرون بها ولا يخشون حلول مثلها ؟ أو العقوبات التي يضرب بها المثل في الشدة . والجملة خالية أو مستأنفة . و ( المثلات ) قراءة العامة فيها فتح الميم وضم الثاء جمع مثلة - كسمرة وسمرات - وهي العقوبة الفاضحة . سميت بها لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة كقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص . ويقال : أمثلته وأقصصته بمعنى واحد ، أو هي من المثل المضروب لعظمها . وقرئ بفتح الميم وسكون المثلثة ، وهي لغة أهل الحجاز ، وقرئ بضم الميم وسكون المثلثة ، وقرئ بفتحهما وبضمهما . وقوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ من الناس من حمل المغفرة على المتعارف منها ، وهو مغفرة الذنوب مطلقا إلّا حيث دلّ الدليل على التقييد في غير الموحّد فإن ظلمه - أعني شركه - لا يغفر . . . وما عدا الشرك فغفرانه في المشيئة . ومنهم من ذهب إلى المغفرة مراد بها معناها اللغويّ . وهو الستر والصفح ، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة ، أي : إنه ذو صفح عظيم لا يعاجل بالعقوبة . مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار . كما قال سبحانه : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] ، وهذا التأويل أنسب بالسياق الرهيب ! وعجب من الشهاب حيث وافق الرازي في دعواه ( إن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة لأنه مخالف للظاهر ، ولاستعمال القرآن . وللزومه كون الكفار كلهم مغفورا لهم لأجل تأخير عقابهم إلى الآخرة ) ولا يخفاك صحة تسميته مغفرة لأنه في اللغة الستر . ومن أفراده الستر بالإمهال ؟ ودعوى أنه مخالف للظاهر ولاستعمال القرآن ، تحكّم بحت على أسلوب القرآن ، وبإرجاعه إلى ما أصّلوه . مع أن التحاكم إليه في الفروع والأصول ، وهو الحجة في اللغة والاستعمال ! ودعوى فساد اللزوم وتهويل خطبه - فارغة ، لأنه لا محذور في ذلك . لا سيما وهو المناسب لاستعجالهم العذاب المذكور قبل ، فالتلازم صحيح ! ثم من المقرر أن القرآن يفسر بعضه بعضا ، فهذه الآية في